بقلم حسن النجار: مرآة الذات بين الحقيقة والوهم ؟؟
المفكر السياسي حسن النجار المتخصص في الشؤون السياسية الدولية
بقلم : حسن النجار
هل أنت فعلاً كما تحبّ أن يراك الناس؟ هل تعيش حقيقتك أم تطرح أمام الآخرين نسخة مصقولة لا تشبه ما بداخلك؟ وهل يتطابق عالمك الداخلي مع الصورة التي كوّنتها عنه في خيالك؟ وهل ما تقوله بين الناس هو ذاته ما تهمس به لنفسك حين تنفرد بذاتك؟
إنها تساؤلات شائكة، لكنها المعيار الأصدق لقياس قدرتنا على التجرد والصدق. فهل تمتلك شجاعة الدفاع عمّا تؤمن به دون الالتفات لردود الأفعال؟
وهل تستطيع كبح رغباتك وتحييد مشاعرك والتمرد على أهوائك التي قد تقودك إلى الوهم؟ وهل تحب الخير للناس، قريبهم وبعيدهم، بالقدر الذي تظهره؟ أم أنك ترفض الشر فقط حين يناسب ذلك صورتك الاجتماعية؟
أمام هذه الأسئلة يبدو الإنسان وكأنه يقف أمام مرآة نقية لا تخفي عيبًا. لكن هل نظرت لنفسك يومًا بلا تجميل اجتماعي أو أعذار تحفظ ماء الوجه؟
هل واجهت ذاتك بالحقيقة التي تخفيها حتى عن نفسك؟ وماذا عن احترامك لنفسك ولمعتقداتك ولوطنك؟ هل تحب ما تفعل بالفعل؟ وهل تقول ما تؤمن به، أم تردد فقط ما يتوقعه الآخرون؟
هذه الأسئلة لا تبحث عن إجابات مكتوبة؛ فهي أصلاً ليست حوارًا مع الناس، بل مع الضمير. إنها ضرورة للسلام الداخلي. وفى كل موقف أكرر لنفسي: هل هذا قراري حقًا؟ أم أنني مجرد تابع يسير مع التيار، يحسن إن أحسنوا، ويسيء إن أساءوا؟
واللافت أننا جميعًا نعتقد أننا مختلفون، وأن انتقاداتنا للمجتمع لا تشملنا. نشير لزلات غيرنا ثم نقع فيها دون تردد. نطالب الآخرين بالتجرد ونتهرب من تطبيقه على أنفسنا. ندعو لترشيد الاستهلاك بينما نعتبر أنفسنا استثناء.
نردد أن الدنيا فانية والعمر قصير، ثم نخوض معارك ضارية من أجل منصب مؤقت أو مكسب زائل. أصبحت الازدواجية جزءًا من حياة كثيرين، حتى بات المجتمع يشكو من كل شيء دون أن يعترف بمسؤوليته عن أي شيء.
والأغرب أن أغلب الشاكين لا يعترفون يومًا بضعف قدراتهم أو محدودية إمكاناتهم؛ فالجميع عبقري ومظلوم وعبقريته غير مُقدّرة! هذه الفجوة بين الواقع والتصور تخلق سلوكيات اجتماعية مؤلمة تنعكس على حياتنا جميعًا.
ورغم أن هذه الأسئلة قد تبدو قاسية، إلا أن مواجهة الذات أصعب من مواجهة العالم. لذلك لن ألتفت لما يُقال؛ فالانشغال بآراء الناس استنزاف للطاقة. فقد أصبحنا نعيش في فخاخ «كأن» التي تحاصر حياتنا:
- كأنك تعمل وتضحّي،
- كأنك تفكر وتتأمل،
- كأنك تحب الخير وتكره الشر،
- كأنك تؤمن بالله وتتوكّل عليه،
- كأنك تمارس الإيجابية،
- كأنك تصلي وتعبد وتنشر الخير…
حتى يتحول الإنسان نفسه إلى «كأن»؛ يعيش وكأنه سعيد، وكأنه مقتنع، بينما بداخله صراع لا يهدأ. والأسوأ حين يصبح التمثيل ذاته تمثيلًا، فيتحول الإنسان إلى نسخة لا يعرفها ولا يعرف حقيقتها.
إن كبح الهوى ليس سهلاً، لكنه الطريق الوحيد لحياة حقيقية. أن تسأل نفسك بصدق:
- هل أنا كما أظن؟
- هل أنا كما أظهر؟
- هل أنا كما أريد؟ أم كما يريد الناس أن أكون؟
الإجابة الصادقة هي وحدها ما يمنح الإنسان احترامه لنفسه، ويحقق الاتساق بين الفكر والقول والفعل. أما حياة «كأن» فهي حياة ناقصة مهما بدت كاملة في أعين الآخرين.







